2018/01/18 at 8:54 مساءً
رئيس التحرير أيمن عبد الجواد
د. رضا عبد السلام

.د. رضا عبد السلام يكتب: بعد ١٠٠ عام من دعاء الملايين على أبناء القردة والخنازير: تقدموا هم…وتخلفنا نحن!!

 

“اللهم عليك بأبناء القردة والخنازير فإنهم لا يعجزونك…اللهم شرد بهم…اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك…اللهم احصهم عددا…اللهم….اللهم…الخ.”

ولد آباؤنا وولدنا وكبرنا واتشحت رؤوسنا بالشيب وغطاها الشعر الأبيض ونحن نردد هذا الدعاء في خطب الجمعة وتنهمر دموعنا…الخ.

لكن… ماذا حصدنا؟ هل استجاب الله لدعاء الملايين؟ هل رأينا عجائب قدرة الله في بني صهيون وفي أبناء القردة والخنازير كما نردد في صلواتنا؟

لا لا لا…كان الحصاد خيبة كبيرة وعار على رؤوس العرب…فلقد حدث العكس!!…والله حدث العكس تماما…فالذي تمزق وشرد وظهرت فيهم عجائب قدرة الله هم العرب والمسلمون!!…

نعم إسرائيل تزداد قوة وتقدما وتماسكا وتكسب أرضا جديدة كل يوم، ومن حولها أعراب يتداعون، يتناحرون، يجرون بعضهم بعضا في سباق محموم نحو القاع والانحطاط في كل شيء…شعوب وأنظمة تغرق في التخلف والمرض والديكتاتورية…وفي المقابل بعد ١٠٠ عام إسرائيل أشد قوة وبأسا…ولا تتعجل وانتظر المفاجآت.

قال تعالى في كتابه، وإن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم…فالمولى قادر على أن يجعل كلمتنا هي العليا وكلمة الصهاينة ومن يدعمهم هي السفلي والدنيا…تماما مثلما جعلها في صدر الاسلام وحتى القرن الخامس عشر الميلادي…

ولكن لماذا تقدمت إسرائيل وتخلف العرب والمسلمون؟ إلى متى نضع رؤوسنا في الرمال أو نصم آذاننا ونستمع فقط الى السحرة وتنابلة السلطان وأبواق النفاق على مدار عقود؟ إلى متى؟!

وحتى نضع النقاط على الحروف، لندع الأرقام تتحدث عن نفسها…فهي خير معبر عن التقدم والتخلف…ومن خلالها سندرك لماذا لم يستجب الله دعاء الملايين على مدار ستون عاما؟! بل حدث العكس تماما، فتقدم الصهاينة وتخلف العرب والمسلمون.

اعتقد أنه ما من مواطن عربي نقي السريرة، لم يرتض ان يكون من الانعام، يحكم ضميره الحي، الا ويدرك ان الانظمة العربية على مدار تاريخها الحديث، (الذي واكب زرع الكيان الصهيوني)، كانت منقطعة الصلة عن شعوبها…بل كانت في الغالب أدوات زرعها وحركها الغرب، لزيادة التمكين لإسرائيل وزيادة التحقير لكل ما هو عربي او اسلامي…وأي كلام بخلاف هذا هو للأسف هدفه استمرار رحلة التنويم.

نعم…لقد خضعت الشعوب العربية والاسلامية لأنظمة انشغلت على مدار عشرات السنين ليس بتنمية شعوبها وبنائها اقتصاديا واجتماعيا وعلميا وديمقراطيا…لا لا…لقد انشغلت تلك الانظمة بتثبيت ملكها وخلقت بطانة جاهلة، من قواعد شعبية تساق وتوجه وتخوف، ورؤوس فاسدة من سياسيين واعلاميين يجملون كل قبيح، حولوا هؤلاء الحكام الفاسدين المفسدين الى ما يشبه الألهة…لم ولن ننسى.

في تلك الأثناء كان من نصفهم “أبناء القردة والخنازير” مشغولون بالبناء الحقيقي، فاهتموا بالتعليم والصحة والاقتصاد والتكنولوجيا وبالطبع الممارسة الديمقراطية…فكثيرا ما سمعنا عن سجن لرئيس او رئيس وزراء في إسرائيل…

على الجانب الآخر ، المظلم المحيط بإسرائيل، كان حملة المباخر والمفسدون في أرض المسلمين مشغولون بهدم التعليم والصحة وتجريف الانسان من كافة القيم العظيمة…حتى تركوا لنا شعوبا وأجيالا خاوية تافهة…كما وصفهم رسول الله “كغثاء السيل” بالملايين… ولكن لا قيمة ولا وزن لهم.

تعالوا بنا نضع النقاط فوق الحروف، لعلنا نفيق من ثباتنا…إلى أين وصل أبناء القردة والخنازير وأين تقبع اكبر دولة عربية، مصر بعد عقود من التجريف، وهي التي كانت لقرون منارة الشرق…لقد اخترت مصر، لانها وطني وهي اكبر دولة عربية وجارة مباشرة لاسرائيل، وما قيل بالنسبة لمصر يقال بشأن باقي العرب.

السؤال، وحتى ندرك حجم التركة الثقيلة، ماذا تقول الأرقام وأين جمهورية ال١٠٥ مليون نسمة من جمهورية القردة ذات ال٥ مليون نسمة؟ ليدرك كل منا كيف جنى مبارك ومن حوله على مصر وشعبها:

# إسرائيل التي ندعو عليها ليل نهار، معتقدين ان الدعاء وحده كاف لمحو اسرائيل من الخريطة، تأتي في جميع المؤشرات التنموية العالمية ضمن أفضل ٢٠ دولة على مستوى العالم، في حين تحل أم الدنيا مصر -مثلا- في أغلب المؤشرات العالمية في المرتبة بعد ال١٠٠ مثل مؤشر جودة التعليم والتنافسية والفساد والاستثمار والحكومة الالكترونية والملكية الفكرية والابتكار، والتنمية البشرية والابتكار….الخ.

# إسرائيل تعداد سكانها ٥ ملايين نسمة تقريبا يعيشون على مساحة تقل عن ربع شبه جزيرة سيناء!! في حين ان تعداد سكان أرض الكنانة مصر ١٠٥ ملايين نسمة تقريبا، يعيشون على مساحة تتعدى المليون كيلو متر مربع بخيرات ونعم لاتعد ولا تحصى؛ من أنهار كالنيل وآلاف الكيلو مترات على البحرين الاحمر والمتوسط وعشرات البحيرات وقناة سويس واراضي خصبة ورمال ومعادن وغاز….الخ.

# نشوف أخطر رقم، وهو الناتج المحلي الاجمالي، اي قيمة انتاج البلد والشعب: إسرائيل مثلا ناتجها المحلي حوالي ٣٠٦ مليار دولار سنويا، أما مصر التي وصفناها وبكل إمكاناتها وسكانها، قيمة ناتجها المحلي ٢٨٦ مليار دولار!!

# فيما يخص الصادرات ، بكم نصدر وماذا نصدر مقارنة بإسرائيل؟ إسرائيل تصدر بحوالي ٩٥ مليار دولار سنويا، قفزت صادراتها من نحو ١٠مليار دولار عام ١٩٩٥ الى اكثر من ٩٥ مليار دولار في العام الماضي، رغم أنهم في حرب مع دول الجوار…

# المشكلة ليست في انهم يصدرون بهذا الرقم الرهيب (٩٥ مليار دولار)، فالسعودية مثلا تصدر سنويا بترول بأكثر من الف مليار دولار، الحكاية في نوعية الصادرات…فأغلب صادرات أبناء القردة هي منتجات عالية التقنية وخدمية. اما ام الدنيا مصر فتصدر بحوالي ٢٢ مليار دولار، أغلبها مواد خام وزراعية.

# يكفي ان نعرف ان اسرائيل قوة العمل فيها حوالي 5و2مليون نسمة في حين أن قوة العمل في مصر تتعدى الخمسين مليون ورغم ذلك يصدرون بالارقام التي أشرنا اليها…بل يصدرون منتجات عالية التقنية في تقنيات المياه باكثر من ٢ مليار دولار اي نحو نصف عائدات قناة السويس في عام كامل.

# نأتي للمؤشرات العالمية التي لا يختلف عليها اثنان مثل مؤشر التنمية البشرية: حلت اسرائيل في المرتبة ١٦ عالميا من بين ١٨٦ دولة في حين حلت مصر العظيمة في المرتبة ١٠٨ عالميا.

# مؤشر الابتكار والاختراع العالمي (والذي يقيس عدد البراءات التي تم تسجيلها وتلك التي تم تحويلها الى سلع ومنتجات ) حلت اسرائيل في المرتبة ٢١ عالميا في حين حلت مصر في المرتبة ١٠٥.

# مؤشر الفساد العالمي (الذي يقيس مستوى الفساد بالجهاز الاداري واستغلال الوظيفة العامة لأغراض خاصة) حلت مصر في المرتبة ١٠٨ عالميا في حين حلت اسرائيل في المرتبة 37 عالميا.

# مؤشر التنافسية العالمي (والذي يقيس مستوى تنافسية اقتصاد الدولة من خلال البيئة الاقتصادية والتشريعية والمؤسسية والتقنية…الخ) حلت مصر في المرتبة ١٠٠ عالميا فيما حلت اسرائيل في المرتبة ١٧ عالميا.

# مؤشر جودة التعليم (والذي يقيس مستوى كفاءة وتطور مؤسسات التعليم العام ومخرجات التعليم وارتباطه بسوق العمل وجودة العملية التعليمية….الخ): حلت اسرائيل في المرتبة ٣٧ عالميا، اما ام الدنيا مصر فهي تقبع في المرتبة ١٣٩ عالميا مع افقر دول افريقيا.

أحزن كثيرا – بل أشعر بالتقيؤ- عندما أرى متباكي على زمن مبارك!!…لسنا في مشكلة مع شخص الرئيس الاسبق مبارك ولكنا في مشكلة كبرى مع سياساته…فقد أضاع مصر واضاع شعبها،

هاهي الأرقام (وغيرها الكثير والكثير) تتحدث بكل وضوح، كما أن واقعنا اصدق من تلك الأرقام…هل لدينا تعليم او خدمات صحية او عدالة اجتماعية؟! ليتنا نتوقف عن الكذب على أنفسنا ونتقي الله في هذا البلد…بل وفي انفسنا وامتنا العربية…فاسرائيل تغرد عاليا في العلم والصناعة ونحن عارقون بين سائقي توكتوك يتعدى عددهم ٢ مليون مصري!!

وإياك أن تقول بأن اسرائيل تدعمها أمريكا…فمصر حصلت على دعم رهيب بعشرات المليارات من أشقائها العرب خلال العقود الغابرة، ومن المؤسسات الدولية في صورة منح ومساعدات لتطوير التعليم والطرق ….الخ…. أين راحت وفي جيوب من؟!

حظنا السيء أننا ومن هم على شاكلتا، نعرف لغة الارقام، ولهذا لا يمكن أن نستريح حتى نرى وطننا في المكانة التي تليق به وبإمكانات شعبه…لا يمكن ان تسعدنا المؤشرات أعلاه بل نحن اشد المصريين حزنا…الصهاينة لم يكونوا أبدا اذكى منا، القضية قضية إدارة وطن وحلم وطن واخلاص للوطن.

وبناء عليه، أؤكد أننا ومصر بعد ثورتين ورثت تركة ثقيلة جدا بعد سنوات من الهدم والطحن والافساد..

أعلم ان التركة ثقيلة، وأن الفجوة بيننا وبين من ننطلق عليهم أبناء القردة باتت شاسعة جدا….(فهم من يتهكم علينا الآن للأسف)، ولكن مع إرادة حقيقية وصريحة وقاطعة سنغير وجه مصر….نعم نستطيع.

ارى جهودا طيبة تتم على أصعدة مهمة في مصر، وكما قلت لا ينكرها الا جاحد، لكننا بحق بحاجة الى تكثيفها وتنويعها خلال الاعوام القادمة، ونحن نعرف جيدا مواطن الخلل.

عرضت في مقالات عديدة لحلول كثيرة لمشكلاتنا ولن نتوقف، ولكن القول الفصل في كلمات معدودة:

* التعليم ثم التعليم ثم التعليم هي قضيتنا الاولى،

* ترسيخ دولة القانون، حتى تسود العدالة بمختلف صورها (في التعيين في الاحترام في سرعة الفصل في المنازعات في توزيع الثروات بكافة أفراد السعب…الخ)،

* وفي نفس الوقت تمكين أهل الكفاءة لا اهل الثقة…فلم تجني مصر من أهل الثقة والمقربون سوى الخراب والتخلف والإذلال لهذا الشعب…الحديث عن عدم وجود كفاءات هو إهانة لشعب مصر جمهورية ال١٠٠ مليون…

#الكفاءات المصرية تغرد في كل مكان داخل وخارج مصر…لن تقوم لهذا الوطن قائمة إلا على يد الكفاءات في كافة المواقع ومن كافة المؤسسات والنقابات والهيئات، مع نظام صارم للمحاسبة، وتطبيق شامل لتكنولوجيا المعلومات حتى يثاب المجد ويعاقب المقصر…مصر تستطيع وشعبها يستطيع…

# تطوير المؤسسات الدينة الرسمية والقضاء المبرم على جماعات تشتيت الامة وتمذيقها كالاخوان وغيرها، فالامة ليستةبحاجة لجماعات لتعرفها امور دينها بل هي في حاجة الى جامعات تنشر النور وتنقلنا من الجهل والظلام الى نور العلم والصناعة.

أعلم رحلة إصلاح ماهدمه السابقون ليست سهلة، ولكننا بدأنا بعد ثورتين عظيمتنين رحلة بناء، لنهب وننطلق جميعا وعلى قلب رجل واحد في اطار الضوابط المشار اليها أعلاه لاعادة بناء الاوطان.

ياحضرات، يأمة إقراء، الدعاء على المنابر وحده لا يكفي، ولو كان الدعاء وحده كافيا لاختفت اسرائيل من الخريطة بعد خطبة جمعة، بل لاكتفى رسول الله بالدعاء على كفار مكة ومجرمي قريش، ولكنه اخذ بالأسباب، فأرسل أكثر من ٨٠ مسلم للحبشة، بل إن رسول الله نفسه هاجر وجرح وأوذي…وعندما عرض عليه المولى بان يطبق عليهم الأخشبين، أبى صلى الله عليه وسلم، وأصر على البذل والعمل والسعي…وأخذ بكافة الاسباب.

هذا هو التوكل من رسول الله، وليس التواكل الذي يحياه جل العرب…ولهذا لم يجدي مجرد الدعاء نفعا…فتقدمت إسرائيل وتخلفنا فهل نتقي الله في اوطاننا وامتنا ونقدم نموذجا نرفع به رؤوسنا بين الامم؟!

‏*محافظ الشرقية السابق وكيل حقوق المنصورة

شاهد أيضاً

غادة زهران.. تكتب: ربان السفينة

كلنا نعلم ماوظيفة ربان السفينة. والاغلب سيقول هو من يصل بالسفينه لبر الامان. ولكن الربان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *