2018/04/23 at 9:09 مساءً
رئيس التحرير أيمن عبد الجواد

سماح فراج .. تكتب: ثقافة الاختلاف.. الفريضة الغائبة

الاختلاف سنة الله في خلقه و هو كقيمة ثقافية تسهم بشكل كبير في إثراء الفكر الإنساني من خلال تعزيزها مفاهيم وممارسات التعددية و قبول الآخر و المساواة و الحرية و التسامح مما يمهد الطريق لما يمكن أن نطلق عليه التعايش الإيجابي للمجتمعات و الذي يعد سببا أساسيا لتطورها وازدهارها . فالاحتلاف يعني حيوية المجتمعات ومشاركة ابنائها في عملية البناء بسبل شتى وطرق متنوعة ولا تعني الانسحاب او الانعزال او السلبية كما انها لا تعني الصدام والاقتتال على حساب الاوطان .

وتبدو مصر في اللحظة الراهنة احوج ما تكون الى نشر ثقافة الاختلاف بمفهومها الصحيح الذي يقوم على تعدد الوسائل مع وحدة في الهدف والمصلحة الوطنية العليا ، فاختلاف الطرق والوسائل لا يعنى الفرقة والانقسام بقدر ما يشير الى تعدد البدائل التي تتغيا جميعها الصالح العالم ، فالاختلاف على اساس من الوطنية والانتماء قيمة محمودة غابت بفعل عوامل متعددة ونسعى الى استعادتها من خلال استراتيجية متكاملة تتقاطع فيها جهود الدولة ومؤسسات المجتمع لبناء شخصية سوية تحمي المستقبل وتعكس قيمة المواطنة بما تتضمنه من حقوق وواجبات .فلا مواطنة بدون ديمقراطية ولا ديمقراطية دون مواطنة على حد قول الان تورين.

وتتراكم ثقافة الإختلاف عبر مراحل ووسائط التنشئة الاجتماعية المتعددة ما بين الاسرة و المؤسسة التعليمية باختلافها ووسائل الاعلام ومؤسسات المجتمع المدني مما يسهم في نشر هذه الثقافة والتربية عليها بإعتبارها مكونا اساسيا من مكونات الشخصية وهو الامر الذي يؤطر لسياج من الثقافة الديمقراطية التي تحمي النسيج الوطني وتعزز الاصطفاف نحو تحقيق اهداف التنمية المستقلة .

وتعد الأسرة الوسيط الأهم والأبرز بين الفرد ومجتمعه بإعتبارها اللبنة الأولى في بناء وتشكيل شخصية الفرد الاجتماعية والثقافية، فهي الوحدة الاجتماعية الأولية التي ينشأ داخلها ويتفاعل مع أفرادها مكتسباً اللغة والعادات والتقاليد والقيم والتي يتحدد تبعاً لها هويته الثقافية فيتحول بموجبها إلى كائن إجتماعي تؤثر ثقافته الفرعية في ثقافة المجتمع  .وتؤثر المواقف والأدوار التي يلعبها أفراد الأسرة خاصة الأبوين سلباً أو ايجاباً في شخصية الفرد فتوفر لها فرصة النمو الايجابي  أو قد تعيق نموها ، فمواقف الاباء تؤثر في بنية الابناء النفسية والفكرية ، فإما أن  يسود التسلط  داخل الأسرة وتتمترس حول رأي أوحد يغلف بالقداسة والتنزيه مما يخلق معه جواً من التعصب والصراع ومن ثم الإقصاء و هو ما يعيق عملية بناء الفرد و إعداده ويفرز شخصية تتميز بمحدودية التفكير والتردد والانسحابية وتركن إلى الاتكالية وتعزف عن المشاركة  او التفاعل والانخراط في المجتمع فتخسر قوة لا يستهان بها كان من الوارد استثمارها للصالح العام ، و إما أن تكون الأنماط السلوكية داخل الأسرة قائمة على أسس بناء الثقة وعلاقات التفاهم و القدرة  على تقبل الأفكار وحسن إدارة الحوار وإحتواء الخلاف وإحترام الرأي الآخر و هي بمثابة  المحددات التي  تمكن الفرد من الإعتماد على الذات وتعزز من التفكير الإستقلالي و تعلي من قيمة الحرية والتسامح والمشاركة ومن ثم القدرة على مواجهة التحديات المحيطة في ظل واقع ديناميكي وحراك مجتمعي متزايد.  وتظهر اهمية الاسرة فيما عبرت عنه  المادة (10) من الدستور  بالنص على ان ” الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين و الأخلاق الوطنية و تحرص الدولة على تماسكها و إستقرارها و ترسيخ قيمها”. أي إن تماسك الاسرة تماسك للمجتمع وتدعيم لقوة الدولة .

في سياق مماثل تأتي المدرسة / المؤسسة التعليمية ككل / جزءاً مكملاً  وجوهريا  في عملية بناء شخصية الفرد وصياغة قدراته على التكيف بشكل منظم / كمواطن / يخدم أهداف المجتمع ككل ويروج لفلسفته ، وتضطلع المدرسة بدور فاعل ومؤثر من خلال السعي نحو ربط العملية التعليمية بالبيئة وبقضايا المجتمع إستناداً إلى تعزيز قيم التماسك الإجتماعي والذي لا يتأتى الحديث عنه وممارسته إلا من خلال بث روح المشاركة والتعاون والتي يمكن التدريب عليها وتنميتها من خلال تأهيل و تدريب الطالب صوب التفكير الواقعي السليم والقدرة على القيادة ومواجهة المشكلات  والتحديات والدفع في اتجاه قبول فكرة التعددية وإفساح المجال للتعبير عن الآراء والأفكار والدفاع عنها بحرية والتصويت معها أو ضدها مما يعزز من قيم التسامح و التآخي و قبول الآخر. وهو ما عبرت عنه  المادة (19) من الدستور و التي تنص على ان ” التعليم حق لكل موطن , هدفه بناء الشخصية المصرية و الحفاظ على الهوية الوطنية و تأصيل المنهج العلمي في التفكير و تنمية المواهب و تشجيع الإبتكار و ترسيخ القيم الحضارية و الروحية و إرساء مفاهيم المواطنة و التسامح و عدم التمييز، و تلتزم الدولة بمراعاة أهدافه في مناهج التعليم و وسائله و توفيره وفقا لمعايير الجودة العالمية.

من جانبها تلعب وسائل الإعلام التقليدية منها و الحديثة دورا ثقافيا مهما في توجيه وتغيير الانماط السلوكية للفرد  فوسائل الإعلام هي المصدر الاساسي للمعلومات  وتلعب دورا لا يمكن اغفاله في تشكيل الرأي العام  ازاء القضايا المختلفة وهو ما ينعكس على توجهات وسلوك الافراد / المواطنين / .

ويمكن النظر الى وسائل الاعلام – خاصة ما يوصف بالاعلام البديل-  بإعتبارها آداة ثقافية تستخدم للبناء على القيم المجتمعية الايجابية من خلال توفير منتديات للحوار والنقاش ومنصات لتبادل الاراء وتلقي الانتقادات برحابة صدر مع اتاحة السبل الكفيلة بالتثقيف و التوعية بالحقوق و الواجبات و خلق المثل الإجتماعي القدوة و النموذج الإيجابي في كافة مناحي الحياة  و من ثم الارتقاء بالرؤى  الفردية لتسهم بشكل فاعل في  صهر الجماعة الوطنية ككل في بوتقة المواطنة و الدفع بها نحو آفاق أرحب من التنمية . فهذه المنتديات هي روافد للمجال العام الذي اشار اليه هابرماس باعتباره مؤشرا جليا على درجة حيوية المجتمع وتوجهه صوب الديمقراطية في اطار علاقة متوازنة مع الدولة الراشدة .

ولا يمكن اغفال حقيقة مهمة مفادها امكانية استخدام تلك الادوات استخداما سلبيا يخصم من رصيد الجماعة الوطنية بزعزعة القيم الايجابية وتفتيت الهوية الوطنية و بث روح الخلاف و الفرقة و المساهمة في الانهيار الاخلاقي العام مما يهدد السلم الإجتماعي و يقوض مقومات العيش المشترك الذي هو اساس الحياة .

 و في ظل العولمة الثقافية والسماوات المفتوحة تبرز شواهد سرعة تدفق المعلومات بصورة فائقة ويتسع المجال لحوار او صدام حضارى يرتهن في جانب كبير منه على التناول الاعلامي للقضايا الثقافية المختلفة او تلك المخالفة لقيم واعراف المجتمع  او حتى تلك التي تقع في نقطة تماس او تماثل معها فالتناول الاعلامي المهني والموضوعي وقدرة وسائل الاعلام على حفز الوعي المجتمعي و كيفية  إدارة هذه الإختلافات  الثقافية و مد جسور التفاهم بين الثقافات مع الاخذ في الإعتبار  إحترام الخصوصية الثقافية للشعوب له مردوده الايجابي على شخصية افراد المجتمع من حيث قبولهم او رفضهم لفكرة التنوع الثقافي.

فالتمايز و التنوع الثقافي يعزز القيم الإنسانية الداعية إلى الحوار و حرية التعبير و التسامح و قبول الآخر و وهو ما عكسه إعلان اليونسكو العالمي بشأن التنوع الثقافي الذي أعتمد في 2001 بالتاكيد على أن هذا التنوع يمثل تراثا مشتركا للانسانية ، ومن بعده جاءت اتفاقية حماية و تعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي في عام 2005 و في المادة (2) منها التي تشدد على التفاعل بين التنوع و إحترام الحريات الأساسية إذ تنص على أنه ” لن يتسنى حماية التنوع الثقافي و تعزيزه ما لم تكفل حقوق الإنسان و الحريات الأساسية مثل حرية التعبير و الإعلام و الإتصال  و ما لم تكفل للأفراد إمكانية اختيار اشكال التعبير الثقافي.

و تعتبر مؤسسات المجتمع المدني الإطار الأمثل لتنشئة المواطنين علي القيم الديمقراطية في حياتهم اليومية وتدريبهم عمليًا علي الممارسة الديمقراطية وإكسابهم خبرة هذه الممارسة من خلال النشاط اليومي لهذه المؤسسات خاصة وأن هذه المؤسسات تضم في عضويتها الاف المواطنين الذين اجتذبتهم إلي عضويتها لما تقوم به من دور في الدفاع عن مصالحهم، أو تقديم خدمات لهم، أو تحسين أحوالهم المعيشية.

وتلعب مؤسسات المجتمع المدني دورها في التنشئة والتدريب علي العملية الديمقراطية من خلال العلاقات الداخلية لكل مؤسسة، والتي تنظمها لائحة داخلية أو نظام أساسي يحدد حقوق وواجبات الأعضاء، وأسس إدارتها من خلال مجلس إدارة منتخب وجمعية عمومية تضم كل الأعضاء وتعتبر أعلي سلطة في المؤسسة تنتخب مجلس الإدارة، وتراقب أداءه، وتحاسبه علي ما يحققه من نتائج، وما تتضمنه هذه العملية من مشاركة في النشاط والتعبير عن الرأي، والاستماع إلي الرأي الآخر، والتصويت علي القرارات، والترشيح في الانتخابات، وانتخاب أعضاء مجلس الإدارة، وهي جميعا أمور ضرورية لأي ممارسة ديمقراطية. وكلما أصبحت مؤسسات المجتمع المدني أكثر ديمقراطية في حياتها الداخلية فإنها تكون أقدر علي المساهمة في التطور الديمقراطي للمجتمع كله، وأكثر قدرة علي إكساب أعضائها الثقافة الديمقراطية، وتدريبهم عمليا من خلال النشاط اليومي علي خبرة الممارسة الديمقراطية..

إن قيام المجتمع المدني، وفي موقع القلب منه، الجمعيات الأهلية في مصر، والتي يربو عددها علي ثمانية واربعين ألف جمعية أهلية، وقيامها بدورها في تعزيز ثقافة الديمقراطية وحق الاختلاف  يرتبط بإدراك الجمعيات أو فصائل المجتمع المدني عامة لحدود دورها التوعوي والتربوي في هذه المرحلة شديدة الحساسية من تطور النظام السياسي المصري من خلال تعميق ثقافة الديمقراطية في أدائها وسلوكياتها الداخلية بحيث يتم تقديم قدوة تحترم الإرادة الحرة للأغلبية معبرا عنها في استفتاءات عامة أو انتخابات علي اختلاف مستوياتها.

تتضافر كل تلك الاطراف في منظومة متكاملة لبناء شخصية متوازنة لها حريتها في تكوين الرأي واحترام اراء الاخرين في تجسيد مباشر لحقيقة مهمة مفادها ان الديمقراطية ثقافة واسلوب حياة قبل أن تكون إجراءات دستورية واو قانونية مما يستلزم التربية عليها قبل المطالبة بها .

*باحثة في العلوم السياسية

شاهد أيضاً

غاده زهران تكتب: أجيال ضاعت في الزحمة

  أشفق على الأجيال الجديدة.. لم تأخذ حظها في أي شيء، ابتداء من الميلاد  الى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *