2018/08/17 at 8:15 صباحًا
رئيس التحرير أيمن عبد الجواد
د. رضا عبد السلام

د. رضا عبد السلام.. يكتب: من هيكل إلى عبد السلام.. هل يعقل هذا؟!

 
جلست منذ أيام أقرأ بعمق سيرة ومسيرة ابن بلدي (كفر غنام) وفخرها، الدكتور محمد حسين هيكل، الذي تخرج في مدرسة الحقوق، وحصل على الدكتوراه في الاقتصاد، وعاش وصنع السياسة في مصر، وخاض غمارها خلال الفترة من 1912 وحتى وفاته عام 1956.
 
بعد القراءة لتلك السيرة والمسيرة العطرة، وجدتني أمام قواسم مشتركة عجيبة وغريبة، هزت كياني زلزلتني، بل دعتني ودفعتني دفعا لكتابة هذا المقال…
 
مؤكد أن النشأة مختلفة تماما…فالدكتور هيكل ولد لأسرة غنية مرفهة، فعاش الرفاهية بمفهومها الشامل…ولكن هذه الرفاهية لم تغير من أصله ومعدنه الطيب، وهذا هو أحد جوانب عظمة شخصية د. هيكل.
 
وفي المقابل، العبد لله، ومنذ سن الست أو السبع سنوات، لم يعرف الراحة أو الطفولة بمتعتها، فكنا نعمل في الوسايا، عمال يومية، في كل شيء يمكن أن يخطر على بالك…كل شيء…فلا أتذكر عملا لم أقوم به، ظللت هكذا حتى تخرجي في كلية الحقوق عام 1992…عملت بالأرض حتى تخرجي من الفرقة الرابعة بكلية الحقوق كأول دفعتي.
 
بل حتى بعد حصولي على الليسانس، وعندما أتى رجل أمن الدولة ليسأل عني وعن الأسرة، لأنني كنت متقدم لمجلس الدولة، كان يعتقد أن أول كلية الحقوق هذا يسكن قصرا، وبالصدفة أنه دق باب البيت بعد عودتي مباشرة من الحقل، والطين يغطي جلبابي الممزق، لأننا كنا ننقل الأرز من الشتل…فتحت له الباب فسألني ممكن أأقابل الاستاذ رضا عبد السلام ..قلت له انا هو…وقف الرجل في حالة من الصدمة، ونزلت الدموع من عينه فخرا بي…وصار صديقا لي بعد ذلك.
 
الغريب والمريب، هو أن الدكتور هيكل سافر للخارج (فرنسا) وحصل على الدكتوراه في الحقوق في تخصص الاقتصاد والمالية العامة، وحصل عليها بعد ثلاث سنوات في الخارج…وربما يكون أول مصري يحصل على الدكتوراه في الاقتصاد (الدين العام لمصر) رغم أنه خريج الحقوق، ولكنه كان مهموما بأزمة وطنه، بعد أن أغرق الخديوي إسماعيل مصر في الديون.
 
أنا سافرت في بعثة لبريطانيا وحصلت على الدكتوراه في الاقتصاد والمالية العامة (نفس تخصص د. هيكل)، وحصلت عليها بعد ثلاث سنوات!! انا لم أخطط ولم اختار التخصص ولكن الجامعة هي التي اختارته لي!! ولكنني للأمانة ومنذ عامي الأول كطالب بكلية الحقوق تمنيت أن أكون أستاذا للإقتصاد ولم يخذلني الله.
 
عندما عاد د. هيكل من الخارج بالدكتوراه واصبح دكتورا، وفي أحد الأيام فوجيء بطابور طويل أمام القصر، فخرج إليهم، واكتشف انهم بعد أن علموا بأنه صار دكتور…جميعهم أتوا للكشف، ولكن كانت الصدمة عندما علموا انه حصل على الدكتوراه في الحقوق، دكتور بتاع كلام يعني!!
 
نفس الموقف تماما أتذكره عندما عينت معيدا بكلية الحقوق ومفضلا الجامعة على القضاء، أخذتني امي لنزور خالتي المريضة، وأهو تتمنظر وتفرح بيا شوية…
 
عندما دخلنا على خالتي، وهي نائمة في سرير مرضها، ابيض وجهها وفرحت وتفشخرت، وقالت لكل الموجودين بالغرفة ده الدكتور (بفتح الدال) رضا ابن اختي… بقى دكتور في الجامعة عقبال أولادكم.
 
في لحظة وجدت كل من بالغرفة سن سنانه، وكل واحد منهم يرحب بي خمسين مرة، وكان بينهم رجل دمه خفيف جدا ويعشق الضحك ولكنه كان غريب الهيئة…
 
في لحظة، وجدته استدار لي مبتسما ومتمارضا، وبدأ بالإشارة بيده إلى بعض أجزاء بطنه وجنبه وقال لي: والنبي يا دكتور: أني الحتة دي مابتنيمنيش خالص…!!!
 
قلت له انا مش دكتور في كلية طب يا عم إلحاج، أني دكتور في كلية الحقوق!!! الرجل لم يتنفس ولم يرد علي بكلمة، وأعطاني ظهره وأستدار وأعطى وجهه مرة أخرى لخالتي المريضة، وأشاح بيده للوراء وكادت أصابعه أن تخلع عيني… قائلا “دكتور بتاع كلام يعني!!….المهم ما علينا…ووجه حديثه لخالتي وكأن الموضوع لم يفتح من الأساس!!
 
الغريب هو أنه رغم أن تخصص د. هيكل في الدكتوراه كان الاقتصاد والمالية العامة، إلا أنه عاد لمصر وامتهن السياسة، وتقلد منصب وزير المعارف أكثر من مرة ثم تولى منصب رئيس مجلس الشورى من 1945 وحتى 1950.
 
شارك دهيكل في إنشاء أحزاب سياسية وترأس حزب الاحرار الدستوريين..وكان من بين ال30 الذين وضعوا دستور 1923…كما ترأس د.هيكل العديد من الصحف…الخ….وبالمناسبة هو غير الدكتور محمد حسنين هيكل (السياسي الناصري) الذي توفي مؤخرا رحمهما الله.
 
كتب د.هيكل أول قصة أو رواية عربية، وهي قصة زينب، ثم كتب العديد من المؤلفات الدينية الرائعة مثل حياة محمد، والتي ترجمت إلى كل اللغات…الخ.
 
عندما اجلس مع نفسي أراني وكأنني شربت من معين هيكل، ومن نفس كأسه، دون أن أدري، وأسير على ذات دربه دون تخطيط مسبق بدء من دراسة الحقوق…فلم أخطط لأن اكتب أو لأن احصل على الدكتوراه في ذات التخصص أو أن اشتغل بالسياسة كما اشتغل هو، أو أن أعشق الكتابة الأدبية كما فعل دهيكل….
 
بالفعل أسعد لحظاتي عندما اختلي مع نفسي، واكتب شيئا في الاقتصاد أو في السياسة أو الشأن العام.
 
الغريب أيضا هو أنني مع أصدقائي بالقرية (الاستاذ الشاذلي عبد السلام وآخرون) أصدرنا أول جريدة من ابداعنا وعلى حسابنا، وكتبتها كاملة بخط يدي، وكنت آنذاك طالبا بالجامعة…
 
عدت للكتابة بعد عودتي من البعثة في عام 2000 وبدأت الكتابة في جريدة الوفد منذ عام 2001، وكدت أن أخضع لتحقيق في الجامعة (بضغط من أحد الطبالين الذين تعرفهم كل العصور) بسبب مقال لي في 2003 بجريدة الوفد، كان عنوانه “أما آن الأوان ياسادة ياكرام” وكان عبارة عن دعوة للنظام ورجاله بأن يحلوا عنا ويريحونا منهم…..الخ.
 
كان يمكن للدكتور هيكل، وهو انسان موسر من أسرة طيبة ومحترمة، أن يعيش حياته بالطول والعرض شأن باقي أبناء الاقطاعيين آنذاك، ولكنه فضل طريق التعب والألم والمعاناة…السياسة وحمل الهم العام…
 
وأنا شخصيا والحمد لله…وهبني الله الكثير ومن علي من فضله، ورزقني من حيث لم احتسب بعد سنوات عجاف…ورغم ذلك أجد نفسي وسعادتي وراحتي، ليس في التنقل أو الترحال من أجل المتعة، ولكن في العيش مع مشاكل الوطن وهمومه.
 
وها نحن ماضون في الطريق، ولا ندري ما الذي تخبئه لنا الأقدار فيما بقي لنا من أجل…ولكن قطعا ما أتمناه هو أن أقضي ما بقي لي من عمر في خدمة وطني، الذي أدين له بكل ما أملك، وفي نفس الوقت أجد الوقت والفرصة لأكتب وأخرج ما بداخلي من روايات ومشكلات تبحث عن حلول في الشؤون الإقتصادية والسياسية والاجتماعية.
 

هذا هو ما فعله بالضبط وبالتمام والكمال ابن بلدي ومصدر فخرها، السياسي والأديب الدكتور محمد حسين هيكل…فهل حقا يعيد التاريخ نفسه؟! هل يصل التشابه الى حد التطابق هكذا…مؤكد أنني لم أخطط هذا الطريق الذي أسير عليه…والذي يعلم الله وحده نهايته…دمتم بألف خير وسعادة.

*محافظ الشرقية السابق ووكيل حقوق المنصورة

شاهد أيضاً

كريمان حرك تكتب عن قناة النيل الثقافية

قناة النيل الثقافية من اكثر القنوات التى أستطاعت ان تحافظ على تقاليد ماسبيرو حيث تضم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *