2018/06/25 at 2:04 صباحًا
رئيس التحرير أيمن عبد الجواد
د. محمد سيد أحمد

د. محمد سيد أحمد يكتب: السباحة ضد التيار .. واجبة !!

 

إذا كان التيار السائد الآن بل والجارف فى عالمنا العربي هو تيار التبعية للنموذج الرأسمالى الغربي فى نسخته المستحدثة ( الأمريكية – الصهيونية ) التى تخضع الجميع لإراداتها سواء كان ذلك طواعية أو غصبا, ومن لا يخضع لهذه الإرادة فعليه تحمل تبعات مقاومته وسباحته ضد التيار, وهنا تجدر الإشارة الى أن هذا التيار الأمريكى – الصهيونى قد نمى وتبلورت ملامحه الاستعمارية بعد الحرب العالمية الثانية فى الوقت الذى كانت تتراجع فيه أسهم بريطانيا العظمى ( الامبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس ) وأثناء هذا الصعود كان هناك تيار آخر بدأ فى النمو والتبلور على الساحة الدولية وهو التيار الاشتراكى بقيادة الاتحاد السوفيتى, وفى ذات الوقت كانت حركات التحرر الوطنى تفرض نفسها على المنطقة والعالم.

واستطاع الضابط المصرى الشاب جمال عبد الناصر أن يقوم هو ورفاقه الأحرار بثورة 23 يوليو 1952 وتحرير مصر من الاستعمار, وتبلور دوره بعد نجاح ثورته حيث ساعد حركات التحرر الوطنى فى أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية, وفى إطار الحرب الباردة بين المعسكر الغربي ( الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو ) والمعسكر الشرقى ( الاتحاد السوفيتى وحلف وارسو ) تمكن جمال عبد الناصر ورفيقيه الهندى نهرو واليوغوسلافى تيتو من تشكيل حركة عدم الانحياز, وكان هدف الحركة هو الابتعاد عن سياسات الحرب الباردة, وهو ما يعنى عدم التبعية لأى من المعسكرين الغربي والشرقى.

وتأسست الحركة من 29 دولة وهى الدول التى حضرت مؤتمر باندونغ 1955, والذى يعتبر أول تجمع منظم لدول الحركة, ثم انعقد أول اجتماع للحركة فى بلغراد عام 1961 وحضره ممثلو 25 دولة, ثم توالى عقد المؤتمرات حتى المؤتمر الأخير الذى عقد فى طهران عام 2012 , ووصل عدد الدول الأعضاء فى الحركة 118 دولة, وفريق مراقبة مكون من 18 دولة,  و10 منظمات, وتعد الحركة هى التجمع الدولى الأكبر بعد الجمعية العامة للأمم المتحدة التى تضم 193 دولة, وعلى الرغم من الزخم الذى تميزت به الحركة خلال الحرب الباردة إلا أنها فقدت أهميتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتى فى مطلع التسعينيات من القرن العشرين.

وعلى الرغم من تمكن جمال عبد الناصر ورفاقه فى حركة عدم الانحياز من الحفاظ على استقلاليتهم النسبية خاصة فى مواجهة التيار الرأسمالى الغربي الذى قادته الولايات المتحدة الأمريكية إلا أنهم لم يسلموا من الضغوط الأمريكية التى تحولت الى مؤامرات فى محاولة لإجهاض مشروعات التنمية المستقلة لمجتمعات العالم الثالث, وكانت أحد نتائج سباحة جمال عبد الناصر ضد التيار الأمريكى – الصهيونى ورفضه الخضوع والخنوع والركوع لهم أن دبرت له نكسة 1967 لإجهاض مشروعه وتجربته التنموية المستقلة, لكن وعلى الرغم من ذلك ظل جمال عبد الناصر يسبح ضد التيار ورفض وهو فى عز الهزيمة أن يستسلم أو يفرط فكانت العروض الأمريكية – الصهيونية للتسوية جاهزة لكنه رفض وأعلن مقاومته من خلال اللاءات الثلاثة بمؤتمر الخرطوم فى 29 أغسطس 1967 ( لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض ) وبدأ مباشرة فى حرب الاستنزاف فى الوقت الذى كان يعيد فيه بناء الجيش استعدادا لحرب التحرير.

وفى 28 سبتمبر 1970 رحل جمال عبد الناصر, وبرحيله بدأت مرحلة جديدة فى تاريخ مصر والمنطقة والعالم, حيث فقد مشروع المقاومة أحد أهم سباحيه الكبار فى مواجهة التيار الرأسمالى الغربي الجارف, وتمكن التيار الأمريكى – الصهيونى من السيطرة على الرئيس السادات الذى وجد فى التبعية للمشروع الرأسمالى الغربي ضالته فالرجل مهزوم داخليا لذلك سلم بأن 99 % من أوراق اللعبة فى يد الأمريكان لذلك أعلن تخليه عن المشروع التنموى المستقل لصالح التبعية عبر سياسات الانفتاح الاقتصادى, ثم سلم للعدو الصهيونى عبر اتفاقية كامب ديفيد 1978 والتى اعقبتها معاهدة السلام المصرية – الاسرائيلية 1979, ورحل السادات وأعقبه مبارك الذى ظل ثلاثة عقود كاملة محافظا على السباحة مع تيار التبعية الأمريكى – الصهيونى.

ومع انهيار الاتحاد السوفيتى فى مطلع التسعينيات من القرن العشرين وانفراد الولايات المتحدة الامريكية بالساحة الدولية بدأت فى ممارسه الضغوط على كل من كان يسبح ضد تيارها سواء فى منطقتنا أو العالم, وبدأ البعض يخضع ويستسلم فوجدنا منظمة التحرير الفلسطينية توقع اتفاقية أوسلو مع العدو الصهيونى 1993 , ثم الأردن يوقع اتفاقية وادى عربة مع نفس العدو فى 1994 , وظل الرئيس حافظ الأسد يناور مع العدو الأمريكى – الصهيونى لمدة عشر سنوات دون تفريط, وكانت مقاومته سباحة ضد التيار الرأسمالى الغربي الجارف, واستطاع عبر ثلاثة عقود أن يبنى سورية الحديثة, ويحقق تنمية مستقلة أوشكت على الاكتفاء الذاتى.

وبرحيله فى 10 يونيو 2000 توهم العدو الأمريكى – الصهيونى أنه قد تخلص من السباح الأخير فى المنطقة والذى يسبح فى مواجهة تيارهم الرأسمالى الغربي الجارف, لكنه خاب ظنهم حيث خلفه الرئيس بشار الأسد الذى حافظ على نفس الخط المقاوم, وظل يسبح ضد التيار الأمريكى – الصهيونى حتى أعلنوا الحرب الكونية على سورية فى مطلع العام 2011  والمستمرة حتى اليوم, لكنه تمكن من الصمود بفضل ايمانه بشعبه وجيشه, واستطاع أن يحقق انتصارات مدوية, وعبر الحرب الكونية على سورية عادت روسيا من جديد قوة مؤثرة على الساحة الدولية, ولم يعد التيار الرأسمالى الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية قادرا على العربدة والبلطجة على دول المنطقة والعالم كما كان يفعل خلال العقدين الأخيرين, لذلك يجب أن يعى كل من فرط وباع وسبح مع التيار, أن الاستقلال والتنمية المستقلة ممكنة إذا قررنا فورا السباحة ضد التيار وهى سباحة واجبة لأن هذا العدو الأمريكى – الصهيونى لن يسمح لنا بأى استقلال أو تنمية حقيقية, اللهم بلغت اللهم فاشهد.                   

 

شاهد أيضاً

نسرين عبدالعزيز.. تكتب: روائع رمضان

في كل عام ومع هلال شهر رمضان يبدأ السباق الرمضاني للأعمال الدرامية الذي أصبح سباقا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *