2018/11/20 at 12:09 صباحًا
رئيس التحرير أيمن عبد الجواد
د. عمران صبره الجازوي

د. عمران صبره الجازوي.. يكتب: الثورة الأخلاقية

 لا أعدّني مبالغاً إذا قلت : إننا لم نكن بحاجةٍ إلى ثورةٍ سياسيةٍ بل كنا – وما زلنا – أحوج ما نكون إلى ثورةٍ أخلاقيةٍ ، وإذا كنا لم نجن شيئاً من وراء الثورات السياسية خلا الويلات والنكبات ، وتعالي الصرخات والزفرات ، ورجوع القهقرى بأسرع ما كنا نسير إلى الإمام آلاف المرات ، فالثورات الأخلاقية ظلالها وارفة ، وتؤتي أكلها – كل حينٍ بإذن ربها – قولاً سديداً ، وعيشاً رغيداً ، وصلةً بالله وطيدة . وإذا كانت الحاجة إلى مثل هذه الثورات – فيما مضى – ماسّة فهي في الوقت الراهن أمسّ ؛ لاستشراء الفساد الأخلاقي في كافة الفئات العمرية – شباباً وشيباً ذكراناً وإناثاً – حتى غدا وكأنه داءٌ عضال استعصى على معالجيه ، وافتقدنا إلى مكارم الأخلاق تلك التي ما بُعث النبي – صلى الله عليه وسلم – إلا ليتمّمها . فقلما تجد شفاهاً تنطق بالصدق ، أو عيوناً تتفقد ضعيفاً أو مسكيناً برفق ، أو آذاناً تستشرف إلى سماع الحق ، أو أرجلاً تمشي بين الناس بما يرضيه – سبحانه وتعالى – ، أو أيدٍ تمتد لتنصف مظلوماً من ظالميه ، وأصبح الود والصلة بغضاً وقطيعة ، واستحال البرّ عقوقاً ، والإخلاص رياءً ونفاقاً ، والعفة والطهارة خبثاً ، والتدين تخلفاً ورجعية ، والعريّ تطوراً ومدنية … وانقلب الأمر رأساً على عقب فضاقت علينا الأرض بما رحبت ، فشكونا شظف العيش ، وضيق الحياة ، وما كان الله ليظلمنا فنحن الجناة المتسببون ، ولصراط ربنا ناكبون ، وصدق الله إذ يقول : ” ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ” بيد أننا نرتدي مسوح المجنيّ عليهم ، ونحن الظالمون لأنفسنا غير أننا نرتدي عباءة المظلومين ، ونلقي باللائمة على الحكام والولاة والسلاطين ، ونسينا أن قلوبهم بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء ألانها علينا ، ولو استقمنا لفعل ، فاستقامتهم مرهونة باستقامتنا ، وصلاحهم بصلاحنا ، ولله درُّ ابن القيم حينما قال :” وتأمل حكمته تعالى في أن جعل ملوك العباد وأمرائهم وولاتهم من جنس أعمالهم بل كأن أعمالهم ظهرت في صورة ولاتهم وملوكهم فإن استقاموا استقامت ملوكهم ، وإن عدلوا عدلت عليهم ، وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم ….. ” ولو رجعنا بذاكرتنا إلى الوراء إلى عصر العزة والتمكين إبان كان المسلمون هم سادة العالم أجمع ؛ لتسلحهم بما افتقدناه ، وإكثارهم مما أعوزناه ، ألا وهو استقامة الأخلاق ، وصفاء العقيدة إذ كانت أخلاقهم مستقيمة لا ينال منها اعوجاج ، وعقيدتهم صافية لا يعكّر صفوها شركٌ أو إلحادٌ لأدركنا أيّما إدراكٍ بأننا لن نعود إلى ما كنا عليه في سالف العهد إلا بالسير على نهجهم ، والنسج على منوالهم فلن يصلح آخر هذه الأمة – كما قال الإمام مالك – إلا بما صلح به أولها ، والله – سبحانه وتعالى – لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم ، وهذه سنةٌ كونيةٌ ، ولن تجد لسنة الله تبديلاً .. ولن تجد لسنة الله تحويلاً .
 

شاهد أيضاً

جمال البدراوي.. يكتب: أسماء ومعاني

  د. خالد عبدالغفار وزير التعليم العالي ود. أشرف صبحي وزير الشباب والرياضة: هناك ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *